أبي منصور الماتريدي
73
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وليس بنا إلى أن نعرف ما بينها وكيفيتها وعددها حاجة ؛ لأنه ليس في تعرفها حكم يتعلق به ، والله أعلم . وقوله : يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ . له تأويلان : أحدهما : ينزل الوحي بينهن ، وما ينزل الله تعالى من الكتب والرسل بينهن ، ومعناه : أن الله تعالى ذكر أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أنهم لم يخصوا بمحنة الرسل والكتب والوحي ، بل كل من في السماوات والأرض ممتحن بذلك . والثاني : يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ يعني التكوين ، ووجه ذلك : أنه لا يخلو مكان في السماوات والأرض في كل وقت من مكون يكونه الله تعالى ، أو محدث يحدثه ، وذلك قوله : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ؛ فيجوز أن يكون المراد بالأمر في قوله : يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ : أمر التكوين ، ومعناه : ما وصفنا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . أي : لكي تعلموا إذا تفكرتم في خلق السماوات « 1 » والأرض ، وما جرى من التدبير فيهما « 2 » أن من بلغت قدرته هذا المبلغ كانت قدرته ذاتية ، لا يعجزه شيء عما أراده . أو يدل هذا التدبير أنه خرج عن عالم لا يخفى عليه شيء ، والله أعلم . قوله : لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . يحتمل أوجها : أحدها : أن الله تعالى [ على ] « 3 » خلق فعل كل فاعل من خلائقه قدير . ووجه ذلك : أن الله تعالى قد كان أعلمهم بخلق السماوات والأرضين « 4 » بقوله : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ فلما قال : لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لم يكن بد من أن يكون هذا في غير خلق السماوات والأرضين ؛ فثبت أن فيه دلالة قدرته على خلق فعل كل مخلوق . ولأنه لما بلغ قدرته وتدبيره في السماوات والأرضين مع عظم أمرهما وشأنهما ، ومع عجز البشر عن تدبير مثلهما ؛ فلأن يبلغ قدرته وتدبيره فيما يقع فيه تدبير البشر - وهو أفعالهم - أحق ، والله المستعان . ووجه آخر : أن يقول : لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بما وعد وأوعد أو على كل
--> ( 1 ) في ب : السماء . ( 2 ) في ب : بينهما . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : الأرض .